هجوم مباشر على مكاسب الطبقة العاملة وذوي الدخل المحدود وامكانية استمرار تصاعد التطرف في المجتمع الهولندي.. كلها مخاوف بسبب برنامج حكومة الاقلية

 

 
لاهاي - نورالدين العمراني .

 

كيف ينظر إلى الاتفاق الحكومي ؟  و ما هو مستقبل برنامجهم الحكومي أمام التحديات التي تفرضها الساحتين الوطنية  و الدولية ؟ وًماذا ينتظر الشعب الهولندي و خاصة المواطنين و المواطنات في وضعية اقتصادية و احتماعية هشة ؟ تلك تساولات تفرض نفسها و لنقل تساولات وجب طرحها لفهم و فك خيوط اللعبة السياسية التي ساهمت  فيها ثلاث احزاب حددت الإطار السوسيو - اقتصادي للمرحلة القادمة بعدما تمكنت من تحقيق التشكيل من خلال التحالف الأقلياتي الحالي .
يُمثِّل الاتفاق الحكومي الذي قدَّمته ديمقراطيو 66 (D66) وحزب النداء الديمقراطي المسيحي (CDA) وحزب الشعب للحرية والديمقراطية (VVD) يوم الجمعة، هجوماً مُباشراً على مكاسب الطبقة العاملة و ذوي الدخل المحدود ، بني على مسار حكومة حزب الحرية (PVV) ذي المرجعية الشعبوية المتطرفةً دون ردّ يساري واضح  على حكومة روبن ييتن  الأولى و في غياب و تعبىةً جماهيرية ؟ خاصة من قِبَل الحركة النقابية مما سيجعل الطريق مفتوحا لاستمرار تصاعد التطرف في المجتمع الهولندي .
كل  المتابعين للشأن السياسي الهولندي اكدوا ان  حزب الشعب للحرية والديمقراطية (VVD) هو مَنْ حدَّد معالم الاتفاق الحكومي الجديد بشكل و فرض قناعته ضدا على الحزبين الديموقراطي و المسيحي 
صحيح أن الحزب تمكَّن من انتزاع نقاط مهمة بالنسبة له من اتفاق ديمقراطيو 66 والنداء الديمقراطي المسيحي مثل تقليص إعفاء فوائد الرهن العقاري وإدخال نظام "القيادة حسب الحساب" (الدفع حسب استخدام الطريق)، لكن هذا يتجاوز الطابع النيوليبرالي القاسي لديمقراطيو 66 نفسه ، فعملية تقويض الضمان الاجتماعي لها تاريخ طويل لدى ديمقراطيو 66 على وجه الخصوص ، كما أظهر ييتن  منذ بداية الحملة الانتخابية أن السياسة اللاإنسانية تجاه اللاجئين ستكون في أيادي  أمينة معه أيضاً .
الاتفاق الحكومي هو في المقام الأول هجوم على مصالح العاملين و المهمشين اقتصاديا و اجتماعياً بعد أن قامت  حكومة حزب الحرية بتقليص مدة صرف إعانة البطالة (WW) من عامين إلى عام ونصف، تريد حكومة ييتن  الأولى تقليص إعانة البطالة إلى عام واحد فقط فقط، بالإضافة إلى ذلك ، تريد الحكومة أيضاً تخفيضات في قانون إعاقة العمل (WIA)، أولاً من خلال إلغاء إعانة العجز الكامل عن العمل للأشخاص المرضى الجُدد ، وهذا يعني عيداً مزدوجاً لأصحاب الأعمال ، فهم يدفعون أقساطاً تأمينية أقل، لأن الناس يلجؤون إلى المساعدة الاجتماعية المُموَّلة من الميزانية العامة للدولة في وقت أسرع كما أن المواطنين يُجبرون على قبول العمل في وقت مبكر وهذا يأتي على حساب جودة العمل والأجر والاستقرار الوظيفي.
وسيتم تقويض تعويض انتقال القطاع، فالشرمات لم تعد ملزمة  بدفع تعويض في حالة طرد اي عامل  بعد مرور عامين من المرض ، تريد الحكومة "تحديث" اتفاقيات العمل الجماعية (CAOs) ومنح الشركات العاملة في "قطاعات جديدة ومبتكرة" فرصاً أكبر للتهرب منها،  فـ "التخصيص" في اتفاقيات العمل الجماعية يقوض طابعها الجماعي ويزيد المنافسة بين العمال، لذا ترغب الحكومة الرفع من سن التقاعد إلى سبعين عاما بدءا من ٢٠٣٠ و بهذا تكون سيتم التنكر للاتفاق الحكوميً السابق بخصوص سن التقاعد وتم ضرب الاتفاقية الموقعة مع اتحادات النقابات العمالية بتبريرات واهيةً بلغة اقل ما يمكن القول عنها أنها نيو ليبيرالية تفرض منطق " التعلم مدى الحياة " و " ضرورة تفعيل القوى العاملة " هذه الرؤيا تهدف إلى تحقيق مزيد من الاستغلال للعمالة و كذلك إلى إضعاف القدرات الشرائية للمواطنين و المواطنات في وضعيات صعبة .
و على الرغم من أن تكاليف الرعاية الصحية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ظلت ثابتة لسنوات، إلا أن الحكومة ترى أن هناك أزمة ، لذا ستعمل على إلغاء  ا خطة تخفيض المشاركة الذاتية (Eigen Risico) للنصف بل وتزيدها إلى 460 يورو سنوياً بحلول عام 2028 وهذا هو أكبر بند للتخفيضات ضمن مجموع 8 مليارات يورو سنوياً من التخفيضات في الرعاية الصحية وبالتالي يدفعها العاملون و الحاصلون على التعويضات الاجتماعية مباشرة من مالهم الخاص .
امًا  فيما يتعلق بالسكن و الذي كان يوماً ما خدمة عامة ، ستحصل شركات البناء على حرية اكبر و تحقيق الأرباح  السريعةً دون حسيب و لا رقيب .
حيث سيتم خنق شركات الإسكان التعاونية و بالتالي الاستغناء عن الإسكان الاجتماعي و الذي هو من اهم الحقوق بعدما أعلنت الحكومة الجديدة  على إمكانية تخفيض او رفض تخصيص مزيد من الأموال لضمان السكن .
تحاول الحكومة تبرير التخفيضات في المرافق العامة بالاستناد إلى الزيادة في الإنفاق العسكري لكن العجز المخطط له في الميزانية يبقى عند 2.1% أي ضمن الحدود الأوروبية ، بينما ارتفع عدد المليونيرات في هولندا العام الماضي، وتبقى الشركات جاثمةً على الصندوق بقيمة 162.5 مليار يورو في حين يطلب من  ي العاملين دفع 3.4 مليار يورو إضافية كضرائب سنوياً. و تضع حكومة ييتن  الأولى فاتورة التسلح على عاتق العاملين وليس على عاتق قطاع الأعمال والأثرياء.
فالتخفيضات في الرعاية الصحية ضرورية لتكون هناك إمكانية للاستثمار في الجيش ، تريد الحكومة أن تَرسَخ قانونياً معيار ترامب الخاص بنسبة 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، يجب زيادة الرفع من ميزانيةً الجيش تقريباً ثلاثة أضعاف إلى 122 ألفاً ، في البداية على أساس التطوع، ولكن إذا لم ينجح ذلك، سيتم اتخاذ إجراءات أكثر إلزاماً ، بالإضافة إلى ذلك، تراهن الحكومة على تعزيز صناعة السلاح الأوروبية. 
بينما تُنظِّم منظمة العفو الدولية حملة من أجل الحق في التظاهر الذي يتعرض للضغط، تختار حكومة ييتن  الأولى مواصلة تقويض هذا الحق و تقزيمه منً خلال استعمال القوة في  " مواجهة التظاهر " 
وإعطاء البلديات المزيد من الصلاحيات لإخماد المظاهرات و تسليح قوات التدخل السريع وًوحدات الشرطة . كما ان حكومة روب ييتن ستواصل في التضييق على اللاجىين عملا بتصور اليمينية المتطرفة فابر المنتمية لحزب الحرية الذي يتزعمه الشعبوي خيرت فيلدرز ، 
لإعادة ادخال نظام الوضع المزدوج و الذي يمكن من ترحيل لاجيء الحرب في اقرب وقت ممكن اي العمل على التسريع في الرد على الطلبات و الملفات التي يقدمها اللاجؤون في هولندا ، و ستعمل الحكومة الجديدة مستقبلا اي بعد التنصيب الانتقال إلى فرض سياسة الواقع من خلال رفض استقبال المهاجرين و توسيع السجون لتسهيل عمليات الترحيل مباشرة من البلدان التي ياتون منها.
في مجال التعليم العالي ، يبدو أن حكومة ييتن  الأولى ستعمل على إلغاء التخفيضات واختبار اللغة الإلزامي كيً تتوافق البرامج الدراسية.
وعلى مستوى العلاقات الخارجيةً ترفض الحكومة اتخاذ اية احراءات  ضد دولة إسرائيل و ستظل الإجراءات الرمزية ضد بعض  من رموز النظام الإسرائيلي قائمة ، لكن الحكومة تستبعد ايةً مقاطعةً او وسحب الاستثمارات والعقوبات .
وستحافظ على استيراد المنتجات من المناطق المحتلة منذ عام 1967 و يبقى مستمرا و ستحافظ من جانب آخر فان الحكومة الجديدة عبرت عن موقفها الإيجابي الداعي إلى قيام الدولتين و لكنها ترفض التنديد بما تقوم به اسراىيل في الضفة الغربية و قطاع غزة .
و تتعهد حكومة ييتن  الأولى بأن تكون حكومة يمينية ولكن من الناحية العملية من المحتمل أن تكون أكثر يمينية و لا تملك الأحزاب الثلاثة أغلبية سياسية في الغرفتين الأولى و الثانية ، مما يجعلها مضطرة إلى الاعتماد على أحزاب اليمين المتطرف مثل JA21، والحزب السياسي الإصلاحي (SGP)، وحزب المزارعين المواطنين (BBB) لتمرير المقترحات لتنفيذ برنامج اقل مايمكن  القول عنه انه جاء ليقضي على امال الطبقات المستضفعةً في المجتمع الهولندي . 
وقد نادى حزب العمل و اليسار الأخضر المتحالف بانه مستعد لدعم حكومة روب ييتن إذا تغير المسار بشكل جذري وقال زعيم حزبه جيسه كلافر بانه " لن أتودد  بالقول ، إننا لا يمكننا أبدا دعم التخفيضات " ، وان  حزبه يرفض كل  الإجراءات القاسية التي يتضرر منها  التامين الصحي و التعويضات الاجتماعية .
و في الأخير ، هل ستصمد هذه الحكومة رغم أقليتها في تصريف برنامجها ؟ و هل ستعتمد على الأحزاب اليمينية و المتطرفةً لضمان بقاءها ؟ أم أنها ستحاول كسب رضى الأحزاب الأخرى خاصة و ان هته الأخيرة عبرت أثناء المناقشات  الماراطونية بالبرلمان الهولندي حول الاتفاق الحكومي لأنها غير مستعدة للمصادقة على قرارات يكتوي من نيرانها الشعب الهولندي ؟ تلك اسىلة مطروحةً ستجيبنا عنها الأيام او الأشهر القادمة .

مشاركة الخبر

الأخبار المتعلقة

تعليقات

لا يوجد تعليقات