الأمن الغذائي العالمي تحت ضغط الصراع الأمريكي-الإيراني ... بقلم الدكتور عبدالمنعم صدفي ـ أستاذ بمركز البحوث الزراعية ـ مصر

- Europe and Arabs
- الاثنين , 23 مارس 2026 6:22 ص GMT
لم تعد النزاعات المعاصرة تُقاس فقط بحجم الخسائر المباشرة، بل بمدى قدرتها على التغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، وعلى رأسها الغذاء. فالتصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإيران تحوّل إلى صدمة مركّبة (طاقة – تضخم – غذاء)، إذ تشير التقديرات الحديثة إلى أن أسعار النفط تخطّت حاجز 126 دولار للبرميل، مع زيادات تجاوزت 50% خلال فترة وجيزة، في مشهد يعيد استحضار أزمات الطاقة العالمية السابقة.
في هذا الإطار، يبرز مضيق هرمز كعنصر حاسم في فهم أبعاد الأزمة، حيث يعبر من خلاله نحو خُمس الإمدادات النفطية عالميًا. وأي تعطّل في هذا الممر لا يؤدي فقط إلى اضطراب تدفقات الطاقة، بل ينعكس أيضًا على تكاليف الشحن والإنتاج، بحيث تصبح كل سلعة غذائية محمّلة بتكاليف إضافية يمكن وصفها بـ"تكلفة التوتر".
القطاع الزراعي، الذي قد يبدو ظاهريًا بعيدًا عن بؤر الصراع، يُعد من أكثر القطاعات تأثرًا. فارتفاع أسعار الوقود يرفع كلفة تشغيل المعدات، كما أن زيادة أسعار الغاز الطبيعي تؤدي إلى صعود أسعار الأسمدة. ويزداد الأمر تعقيدًا إذا علمنا أن قرابة 50% من تجارة بعض المدخلات الزراعية عالميًا تمر عبر منطقة الخليج، ما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة بمثابة ضغط مباشر على الإنتاج الزراعي.
أما شبكات التوريد العالمية، التي بُنيت على أسس السرعة والكفاءة، فقد كشفت هذه الأزمة عن درجة ملحوظة من الهشاشة. فمع ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وتباطؤ حركة الشحن، أصبحت السلع الغذائية تصل بوتيرة أبطأ وتكلفة أعلى. وتشير بعض التقديرات إلى أن أسعار الوقود للمستهلكين ارتفعت بأكثر من 18% خلال أسابيع قليلة، وهو ما ينعكس بدوره على مختلف حلقات سلسلة الإمداد الغذائي.
ولا تقتصر التداعيات على ارتفاع التكاليف، بل تمتد إلى الضغوط التضخمية. فقد سجلت الأسعار زيادات سنوية بلغت نحو 3.4%، مدفوعة بارتفاع أسعار السلع الغذائية، حيث قفزت أسعار بعض الخضروات بنحو 49%، والفواكه بحوالي 10%. ومع تحذيرات المؤسسات الدولية من أن استمرار صدمة الطاقة قد يدفع التضخم إلى مستويات أعلى ويُبطئ النمو الاقتصادي، يصبح الغذاء أحد أبرز قنوات انتقال هذه الأزمة إلى المجتمعات.
في هذا السياق، يتجلى ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد القلق". فالدول لا تنتظر حدوث نقص فعلي، بل تبادر إلى تعزيز مخزوناتها، بينما تتجه الأسواق إلى المضاربة، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بفعل التوقعات بقدر ما يحدث بفعل الواقع. وتشير السيناريوهات المتشائمة إلى احتمال تجاوز أسعار النفط 170 دولارًا للبرميل في حال استمرار التصعيد.
هذا الواقع يعيد تشكيل مفهوم التضخم الغذائي، ليصبح ظاهرة مجتمعية بقدر ما هو مؤشر اقتصادي. فارتفاع أسعار الغذاء لا يقتصر تأثيره على القدرة الشرائية، بل يمتد ليؤثر على أنماط الاستهلاك، ويزيد من الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة، ما قد ينعكس على الاستقرارين الاجتماعي والاقتصادي في آنٍ واحد.
في ضوء هذه التحولات، يبدو أن العالم يتجه نحو إعادة صياغة منظومته الغذائية. فبدلًا من الاعتماد الكامل على الأسواق العالمية، بدأت الدول في تبني سياسات أكثر تحفظًا، ترتكز على تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وبناء احتياطيات استراتيجية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن الغذاء لم يعد مجرد سلعة اقتصادية، بل ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي.
تكشف هذه الأزمة أن أخطر آثار النزاعات لا تكمن فقط في ساحات المواجهة، بل في تداعياتها الصامتة التي تصل إلى موائد الناس. فالعالم اليوم يواجه اختبارًا حقيقيًا لقدرة أنظمته الغذائية على الصمود في بيئة مضطربة. وفي هذا الاختبار، لن يكون التفوق لمن يمتلك الموارد فحسب، بل لمن يحسن إدارتها بكفاءة ومرونة في أوقات الأزمات.
لقد دخلنا بالفعل مرحلة جديدة، لم يعد فيها السؤال: من يملك القوة؟
بل أصبح السؤال الأهم: من يمتلك القدرة على تأمين غذائه في عالم يزداد اضطرابًا؟

لا يوجد تعليقات